في خطابه الأخير بمدينة العلمين الجديدة، قدّم رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي رؤية واضحة بشأن أخلاقيات السياسة في أفريقيا، مشيراً أن أمن القارة يبدأ بتمكين الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام وحدتها وسيادتها، وإعطاء الأولوية للحلول السلمية للصراعات والأزمات، والالتزام بمبدأ حسن الجوار. ويرى داغيم يوهانس، الباحث في هورن ريفيو، أن هذه المبادئ تبدو متماسكة في صورتها النظرية، لكنها تثير تساؤلات عند مقارنتها بسياسة مصر تجاه إثيوبيا.
ونشر هورن ريفيو تحليلاً بعنوان «خطاب السيسي عن السيادة وحرب الوكلاء على حدود مصر»، يناقش فيه التناقض الذي يراه الكاتب بين خطاب القاهرة بشأن احترام سيادة الدول الأفريقية، وبين سياستها تجاه إثيوبيا، خصوصاً في ما يتعلق بسد النهضة والعلاقات المتنامية مع إريتريا، فضلاً عن الاتهامات الإثيوبية لمصر وإريتريا والسودان بدعم تحالف معارض تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي. ويشير الموقع إلى أن القاهرة تنفي باستمرار التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتعتبر احترام السيادة ركيزة أساسية في سياستها الخارجية.
خطاب السيادة وحدودها عندما يتعلق الأمر بإثيوبيا
جاءت تصريحات السيسي في العلمين الجديدة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أمام رؤساء دول ومسؤولين في الاتحاد الأفريقي وقادة أعمال، في افتتاح منتدى العلمين الاقتصادي الأفريقي. وقال إن الأمن في القارة «يبدأ بتمكين الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام وحدتها وسيادتها، وإعطاء الأولوية للحلول السلمية للصراعات والأزمات، والتمسك بمبدأ حسن الجوار».
وأضاف أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تترسخ في دول تفتقر إلى الاستقرار، واصفاً الاستقرار بأنه «الركيزة الأساسية» التي يحتاج إليها المستثمرون والمنتجون.
ويرى الكاتب أن هذه اللغة لا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ، كما أنها تتوافق مع ميثاق الاتحاد الأفريقي وتمنح الخطاب المصري طابعاً دبلوماسياً قوياً. لكن المشكلة، بحسب التحليل، تظهر عند مقارنة هذه المبادئ بسلوك مصر تجاه إثيوبيا.
فالتصريحات لم تأتِ في فراغ. فقد أطلقها السيسي في وقت تواجه فيه إثيوبيا مجدداً تحالفاً معارضاً تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي في شمال البلاد، بينما اتهمت أديس أبابا القاهرة وأسمرا والخرطوم بتمكين هذا التحالف. وفي سياق التوترات المتصاعدة، أغلقت إثيوبيا سفارتها في إريتريا، وطردت دبلوماسيين إريتريين، كما دخلت في عمليات طرد دبلوماسي متبادلة مع مصر.
وفي المقابل، رد مسؤولون مصريون بالنفي المعتاد، مؤكدين أن القاهرة لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأن احترام سيادة الدول يمثل أحد أسس السياسة الخارجية المصرية.
لكن القيادة المصرية نفسها أمضت أكثر من عقد في التعامل مع ممارسة إثيوبيا لسيادتها على مياه النيل الأزرق باعتبارها تحدياً وجودياً.
ومنذ إطلاق مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير عام 2011 في عهد حكومة الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية التي كانت جبهة تحرير شعب تيغراي القوة المهيمنة عليها، وحتى افتتاح السد في سبتمبر 2025 خلال حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، نظرت القاهرة إلى المشروع باعتباره مشروعاً أحادياً يهدد الأمن المائي المصري.
واحتفظ مسؤولون مصريون بحق مصر في «الدفاع المشروع عن النفس» إذا انخفضت تدفقات مياه النيل، كما رفضت القاهرة ترتيبات تسمح لإثيوبيا بملء السد وتشغيله من دون ضمانات ملزمة تحمي مصالح دول المصب.
ويشير الكاتب إلى أن الإطار التاريخي لتوزيع مياه النيل، الذي استبعد إثيوبيا ومنح مصر والسودان النصيب الأكبر من التدفقات، يظل خلفية مهمة لفهم الموقف المصري.
ومن وجهة نظر التحليل، يصعب على رئيس يوجه محاضرة إلى أفريقيا بشأن احترام الوحدة الوطنية والسيادة أن يوفق بسهولة بين هذا المبدأ وبين سياسة تسعى إلى تقييد الطريقة التي تمارس بها إثيوبيا حقها السيادي في تطوير مواردها المائية داخل أراضيها.
ويخلص الكاتب إلى أن الأمر لا يتعلق برفض مبدأ السيادة في حد ذاته، وإنما بوجود «هرمية للسيادة» تحدد فيها المصالح الاستراتيجية المصرية حدود ما يُسمح لإثيوبيا بفعله.
ولا يرى التحليل أن هذا التناقض عرضي، بل يعتبره تعبيراً عن عقيدة استراتيجية مصرية راسخة تقوم على الحفاظ على أولوية مصر في ملف النيل ومنع ظهور منافس إقليمي قوي في القرن الأفريقي.
وبما أن مصر تنظر إلى السيطرة على النيل باعتبارها مسألة وجودية، فإن أي دولة من دول المنبع قادرة على تنظيم تدفق مياهه تُعامل باعتبارها تهديداً هيكلياً، لا مجرد دولة جارة طبيعية.
ويرى الكاتب أنه عندما أخفقت الدبلوماسية في إلزام إثيوبيا بنظام مائي يضمن لمصر موقعاً متميزاً، انتقلت القاهرة، وفقاً لهذا التقييم، إلى أدوات أقل تكلفة وأكثر قابلية للإنكار، تقوم على الضغط من المحيط وتشتيت الانتباه عبر الصراعات الداخلية.
ويضيف أن إثيوبيا مستقرة وصناعية وقادرة على الوصول السيادي إلى البحر ستغير التوازن الإقليمي بصورة دائمة، بينما لن تحقق إثيوبيا مجزأة ومحاصرة جغرافياً وغارقة في الصراعات الداخلية التأثير نفسه.
وبحسب التحليل، فإن التقارب المتزايد مع إريتريا، وتشكيل جبهة دبلوماسية معادية، والاتهامات المتعلقة بتسهيل تحركات قوى معارضة داخل إثيوبيا، لا تمثل انحرافاً عن المبدأ، بل أدوات عملية لاستراتيجية احتواء استمرت عبر حكومات مصرية متعاقبة.
إريتريا وحسابات الضغط على إثيوبيا
يقول الكاتب إن هذا المنطق ظهر بصورة واضحة في تصريحات الرئيس الإريتري أسياس أفورقي نفسه.
ففي جلسة أسئلة وأجوبة علنية عام 1996، أشار أفورقي إلى أن أي دعم مصري لإريتريا خلال نضالها من أجل الاستقلال كان تحركه حسابات تاريخية، وأن الهدف الأساسي منه كان استخدام إريتريا أداة لزعزعة استقرار إثيوبيا وحرمانها من السلام.
وبحسب رواية الكاتب، ربط أفورقي أيضاً الأجندة الاستراتيجية المصرية الرئيسية بالسيطرة على مياه النيل، وقال إن صناع القرار في القاهرة كانوا يرون أن الحفاظ على هذه السيطرة يقتضي استمرار إثارة الخلافات والاضطرابات بين دول المنبع.
كما ربط أفورقي هذه الحسابات بالمخاوف المصرية المتعلقة بالبحر الأحمر.
ويرى يوهانس أن هذا التقييم لا يزال يعكس الطبيعة القائمة على المصالح للعلاقة الحالية بين القاهرة وأسمرا، إذ توفر إريتريا، وفق تحليله، الموقع الجغرافي والقدرة على ممارسة ضغط يمكن إنكاره، بينما توفر مصر الغاية الاستراتيجية والموارد.
وبعد إخفاق الدبلوماسية والضغوط الدولية في وقف سد النهضة أو فرض نظام مائي يضع إثيوبيا في موقع تابع، اتجهت مصر، بحسب الكاتب، إلى استراتيجية أكثر انتظاماً تقوم على الضغط من المحيط.
وعمقت القاهرة علاقاتها الاستراتيجية مع إريتريا عبر زيارات رفيعة المستوى، وعروض لتقديم الدعم الفني والتدريب «في أي مجالات تحتاج إليها إريتريا»، فضلاً عن الإعلان المشترك الأخير في العلمين مع إريتريا والسودان والصومال.
وينص الإعلان، بحسب التحليل، على إدارة حصرية للبحر الأحمر، واحترام سيادة الدول، ورفض الإجراءات الأحادية المتعلقة بمياه النيل، وهو ما يراه الكاتب محاولة واضحة لتقييد إثيوبيا من أكثر من اتجاه.
ولا يعتبر الكاتب هذا النهج جديداً.
ففي أواخر خمسينيات القرن العشرين وأوائل ستينياته، تحولت القاهرة إلى مركز رئيسي للنشاط القومي الإريتري. وتأسست جبهة التحرير الإريترية في القاهرة عام 1960، حيث وفرت السلطات المصرية للحركة مكاتب وملاذاً سياسياً ومنبراً عبر إذاعة القاهرة، التي بث من خلالها شخصيات مثل ولدآب ولد ماريام رسائل مناهضة لإثيوبيا باللغة التيغرينية.
كما قدمت مصر، بحسب المصادر التي يستند إليها الكاتب، تدريباً عسكرياً بالقرب من الإسكندرية، ومساعدات مالية محدودة وأسلحة خلال السنوات الأولى من الكفاح المسلح الإريتري.
ورغم اختلاف مستوى هذا الدعم واستمراريته باختلاف الحكومات المصرية، يرى الكاتب أن نمط استخدام القاهرة قاعدة خلفية للجماعات التي تسعى إلى إضعاف الدولة الإثيوبية تأسس مبكراً، وحقق أهدافاً استراتيجية واضحة، من بينها تقليص الوجود الإثيوبي على البحر الأحمر والحد من قدرتها على تهديد المصالح المصرية المتعلقة بالنيل.
وعاد المنطق نفسه للظهور في العقود اللاحقة.
فقد اتهمت السلطات الإثيوبية مصر مراراً بتوفير مساحة أو تدريب أو تمويل لجماعات معارضة إثيوبية، وكان من أبرزها جبهة تحرير أورومو وجناحها المسلح، جيش تحرير أورومو، خلال منتصف العقد الماضي.
كما تحدثت اتهامات إثيوبية عن انتقال قادة جبهة تحرير أورومو من أسمرا إلى القاهرة.
ونفت مصر باستمرار هذه الاتهامات.
لكن تكرارها، إلى جانب التاريخ الطويل لاستضافة القاهرة ودعمها السياسي لمنظمات انفصالية إريترية، يعزز، بحسب الكاتب، الانطباع بأن مصر تنظر إلى تفكك إثيوبيا الداخلي باعتباره أداة يمكن استخدامها للضغط عليها.
ويرى يوهانس أن التقارب الحالي مع أسمرا يندرج في هذا السياق. فإثيوبيا المنشغلة بصراعات داخلية، والممزقة سياسياً، والمحاصرة جغرافياً، ستكون أقل قدرة على تنفيذ مشروعات جديدة على النيل الأزرق أو السعي إلى الوصول السيادي إلى البحر.
ولذلك، لا يرى الكاتب أن الاتهامات الإثيوبية بشأن تنسيق إريتريا، بدعم أو تسهيل مصري وسوداني، مع جبهة معارضة تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي وجماعات مسلحة حليفة لها، مجرد تكهنات بلا أساس. بل يربطها بتاريخ موثق من ممارسة الضغط عبر وكلاء بعد انهيار قدرة القاهرة على التأثير المباشر في ملف سد النهضة.
مفارقة جبهة تيغراي ومستقبل الصراع الإقليمي
يعتبر الكاتب أن المفارقة تبدو أكثر وضوحاً عند الحديث عن جبهة تحرير شعب تيغراي.
فالجبهة كانت القوة السياسية المهيمنة داخل الحكومة الإثيوبية التي وضعت حجر الأساس لسد النهضة ودفعت نحو المراحل الأولى من بنائه.
أما اليوم، فأصبحت الجبهة نفسها جزءاً من تحالف معارض يعتمد استمراره، بحسب التحليل، على الدعم الخارجي.
وإذا كانت مصر وشريكتها الإريترية تدعمان هذا التحالف أو تتسامحان مع وجوده، فإنهما تعملان بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع التيار السياسي نفسه الذي ساعد في إطلاق مشروع السد، ضد الحكومة الفيدرالية التي أكملت بناءه وافتتحته.
ويقول الكاتب إن هذا لا يمثل دبلوماسية مائية متماسكة، بل «زعزعة انتهازية للاستقرار».
فالدولة التي تقول إنها لا تريد سوى إدارة منظمة وتعاونية للأنهار المشتركة، بحسب التحليل، لا تعمل في الوقت نفسه على تهيئة الظروف لاندلاع حرب أهلية جديدة على الحدود الشمالية لدولة المنبع.
ويرى يوهانس أن خطاب السيسي في العلمين ليس خاطئاً في حد ذاته. فالدول الأفريقية تحتاج بالفعل إلى مؤسسات قوية، واحترام للسيادة، وتسوية سلمية للنزاعات إذا أرادت جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية.
لكن المشكلة، وفقاً للكاتب، تكمن في أن مصر تبدو وكأنها تطبق هذه المعايير بصورة انتقائية.
فحين تؤكد إثيوبيا سيادتها على مواردها المائية، تُعامل هذه الخطوة باعتبارها تحدياً استراتيجياً يستدعي الاحتواء، بينما تُقدم تحالفات مصر الإقليمية، وتاريخ دعمها لقوى معارضة للسلطة الإثيوبية، وموقفها الدبلوماسي الحالي باعتبارها إجراءات دفاعية ومشروعة.
ويرى التحليل أن النتيجة هي ازدواجية مألوفة تُغلف بخطاب قاري عن الاستقرار والسيادة.
فعندما يقول الرئيس المصري للقادة الأفارقة إن الاستقرار يبدأ باحترام الدولة الوطنية، يصبح التناقض صعب التجاهل عندما تسعى مصر في الوقت نفسه إلى تقييد ممارسة إثيوبيا لسيادتها، وتعزز علاقاتها مع أطراف تقف في مواجهة الحكومة في أديس أبابا.
وتصبح الخلاصة الأكثر إزعاجاً، بحسب الكاتب، واضحة: تبدو السيادة جديرة بالاحترام في كل الأحوال، إلى أن تكون الدولة التي تمارسها هي إثيوبيا، ويكون المورد محل النزاع هو نهر النيل.
https://hornreview.org/2026/10/06/sisis-sovereignty-sermon-and-the-proxy-war-next-door/

